غياب الأقاليم الجنوبية عن الحكومة الجديدة.. الجهوية المتقدمة على محك الإنصاف المجالي وتكافؤ الفرص !
هلا نيوز – علي عدي
أعادت التشكيلة الحكومية الجديدة، التي جرى تعيين أعضائها بالقصر الملكي بالرباط يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، فتح النقاش حول مسألة التمثيلية المجالية داخل المؤسسات التنفيذية الوطنية، بعدما خلت اللائحة المعلنة من أسماء تنتمي إلى الجهات الجنوبية الثلاث، وهي جهة العيون الساقية الحمراء، وجهة الداخلة وادي الذهب، وجهة كلميم واد نون، وفق المعطيات الواردة في التشكيلة المنشورة. وهو غياب يطرح أكثر من علامة استفهام بشأن موقع هذه الجهات في الخريطة الحكومية، ومدى انعكاس مشاركتها السياسية والانتخابية على توزيع المسؤوليات العليا داخل الدولة.
ولا يتعلق الأمر بمجرد غياب أسماء من منطقة جغرافية معينة عن لائحة الوزراء، بقدر ما يتعلق بإشكالية أعمق ترتبط بالتمثيل السياسي والإنصاف المجالي، وبالعلاقة بين الشرعية الانتخابية وإمكانية الوصول إلى مراكز صناعة القرار. فالأقاليم الجنوبية ليست هامشاً في المشهد السياسي الوطني، بل تشكل جزءاً من بنيته المؤسساتية والانتخابية، وتضم مجالس منتخبة ونخباً سياسية تنخرط في تدبير الشأن العام، وتشارك في الاستحقاقات الانتخابية، وتتحمل مسؤوليات في تنزيل البرامج التنموية على المستوى الترابي.
ومن هذا المنطلق، فإن غياب تمثيلية وزارية مباشرة لهذه الجهات يفتح النقاش حول مدى قدرة التوازنات الحزبية والحسابات المرتبطة بتشكيل الأغلبية الحكومية على استيعاب مختلف التعبيرات المجالية، ومدى حضور معيار الإنصاف الترابي إلى جانب معايير الكفاءة والاستحقاق والانتماء السياسي في توزيع الحقائب الوزارية. فالتشكيلة الحكومية، وإن كانت نتاجاً لاختيارات سياسية وتوافقات حزبية ودستورية، تظل أيضاً مؤشراً على طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، وعلى مدى انفتاح النخب الوطنية على الكفاءات المنبثقة من مختلف جهات المملكة.
وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى كثافة المشاركة السياسية في الاستحقاقات الجهوية بالأقاليم الجنوبية، وما تعكسه من انخراط في المؤسسات المنتخبة وآليات الديمقراطية التمثيلية. فالمشاركة الانتخابية لا تقتصر دلالتها على التنافس على المقاعد أو تشكيل المجالس، بل ترتبط أيضاً بانتظارات المواطنين بشأن تحويل أصواتهم إلى سياسات عمومية تستجيب لحاجياتهم، وبقدرة المؤسسات المنتخبة على الترافع عن قضايا مجالاتها الترابية داخل دوائر القرار الوطني.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إلى أي حد تنعكس هذه المشاركة السياسية على مستوى التمثيل في الحكومة؟ وهل تنجح الأحزاب السياسية في تحويل حضورها الانتخابي والجهوي إلى مشاركة فعلية في تدبير الشأن العام الوطني؟ أم أن منطق التحالفات وتوزيع الحقائب وفق التوازنات الحزبية يظل العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل الفريق الحكومي، بما قد يجعل بعض الجهات خارج دائرة التمثيل الوزاري المباشر، رغم حضورها في المشهد الانتخابي والمؤسساتي؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات تقتضي التمييز بين التمثيلية الجغرافية بوصفها مطلباً سياسياً مرتبطاً بالإنصاف المجالي، وبين التمثيلية الحزبية التي تقوم عليها الممارسة البرلمانية وتشكيل الأغلبية الحكومية. فالدستور لا يجعل الانتماء الجغرافي شرطاً لتولي المسؤولية الوزارية، كما أن توزيع الحقائب لا يخضع بالضرورة لمعادلة تضمن حضور وزير عن كل جهة. ومع ذلك، فإن غياب جهات بعينها عن التشكيلة الحكومية يظل موضوعاً مشروعاً للنقاش العمومي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمناطق تعرف تحولات تنموية ومشاريع استراتيجية وتحديات اجتماعية واقتصادية تستدعي حضوراً قوياً في دوائر الترافع وصناعة القرار.
وفي هذا السياق، تبرز الجهوية المتقدمة باعتبارها أحد الأوراش المؤسساتية الكبرى التي راهن عليها المغرب لتعزيز الديمقراطية الترابية، وتوسيع مشاركة المواطنين في تدبير شؤونهم، وتقليص الفوارق المجالية، وتحقيق تنمية أكثر توازناً بين الجهات. غير أن تنزيل هذا الورش لا يقاس بمجرد وجود مجالس جهوية منتخبة، أو بتنظيم الاستحقاقات الانتخابية في مواعيدها، وإنما بمدى قدرة هذه المؤسسات على ممارسة اختصاصاتها، والتحكم في أولويات برامجها التنموية، والاستفادة من الموارد المالية والبشرية الضرورية، والتأثير في السياسات العمومية المرتبطة بمجالاتها الترابية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل طُبقت الجهوية المتقدمة بما يكفي لتحويل الجهات إلى فاعل حقيقي في صناعة التنمية والقرار، أم أن جزءاً مهماً من القرار الاستراتيجي ما زال متمركزاً في المستوى الحكومي المركزي؟ إن هذا التساؤل لا يمكن حسمه انطلاقاً من التشكيلة الوزارية وحدها، لكنه يكتسب وجاهته حين يوضع ضمن نقاش أوسع حول توزيع الاختصاصات والموارد، وفعالية التعاقد بين الدولة والجهات، ومدى استقلالية المجالس الجهوية في تحديد الأولويات والاستجابة لانتظارات الساكنة.
فالجهوية المتقدمة لا تعني بالضرورة تمثيل كل جهة داخل الحكومة، كما أن غياب وزير من جهة معينة لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على فشل هذا الورش. غير أن الإنصاف المجالي يظل مفهوماً أساسياً في تقييم السياسات العمومية، لأنه يرتبط بمدى استفادة المواطنين، على اختلاف مناطقهم، من فرص التنمية والاستثمار والتشغيل والخدمات الأساسية، وبقدرة المؤسسات على الحد من الفوارق التي قد تنتج عن تفاوت الإمكانات أو اختلال توزيع الموارد.
وبالنسبة إلى الجهات الجنوبية الثلاث، فإن أهمية هذا النقاش تتجاوز مسألة الأسماء والمناصب، لتلامس طبيعة النموذج التنموي الذي يراد ترسيخه، ومدى إشراك النخب المحلية في صياغة القرارات التي تهم مستقبل مناطقها. فهذه الجهات تواجه رهانات مرتبطة بالتشغيل، وجذب الاستثمار، وتأهيل البنيات التحتية، وتطوير الخدمات الاجتماعية، وتعزيز الاقتصاد المحلي. وهي ملفات تتطلب تنسيقاً مستمراً بين المجالس المنتخبة والقطاعات الحكومية، فضلاً عن آليات فعالة للترافع المؤسساتي ونقل انتظارات المواطنين إلى المستوى الوطني.
كما تضع هذه الوضعية الأحزاب السياسية أمام مسؤولية مراجعة آليات اختيار النخب وتدبير الاستحقاقات الداخلية، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الحسابات التنظيمية ومتطلبات التمثيل المجالي. فالأحزاب ليست مجرد قنوات للتنافس الانتخابي، بل تشكل إحدى الوسائط الأساسية بين المجتمع والدولة، ومن خلالها يفترض أن تتحول المطالب الترابية إلى برامج ومواقف ومبادرات داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية. ولذلك، فإن تعزيز حضور الكفاءات القادمة من مختلف الجهات يظل جزءاً من النقاش المتعلق بتجديد النخب وتوسيع قاعدة المشاركة في تدبير الشأن العام.
وفي المقابل، لا ينبغي اختزال تمثيل الجهات الجنوبية في وجود وزير ينحدر منها، لأن الدفاع عن مصالحها يمكن أن يتم أيضاً عبر البرلمانيين، والمجالس الجهوية، والمنتخبين المحليين، والآليات المؤسساتية للتشاور والتنسيق مع الحكومة. لكن تعدد قنوات التمثيل لا يلغي أهمية التساؤل عن مدى حضور هذه الجهات في المستويات العليا لصناعة القرار، ولا يعفي الفاعلين السياسيين من تقديم توضيحات بشأن المعايير التي تحكم اختيار المسؤولين وتوزيع الحقائب.
إن جوهر الإشكال، إذن، لا يكمن فقط في غياب أسماء من العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب وكلميم واد نون عن الحكومة الجديدة، بل في مدى قدرة المنظومة السياسية والمؤسساتية على تحقيق التوازن بين الشرعية الانتخابية، والتمثيل المجالي، والنجاعة الحكومية. فالديمقراطية التمثيلية لا تكتمل بمجرد المشاركة في صناديق الاقتراع، وإنما تتعزز عندما يشعر المواطنون بأن مؤسساتهم قادرة على نقل انتظاراتهم إلى مراكز القرار، وأن انتماءهم المجالي لا يشكل عائقاً أمام تكافؤ الفرص في المشاركة وتحمل المسؤولية.
وفي المحصلة، يظل غياب التمثيلية الوزارية المباشرة للجهات الجنوبية الثلاث مدخلاً مشروعاً لفتح نقاش سياسي ومؤسساتي حول الإنصاف المجالي، وتجديد النخب، وحدود التمثيل الحزبي، ومستقبل الجهوية المتقدمة. أما الحكم على مدى نجاح هذا الورش، فيقتضي الانتقال من منطق عدّ المناصب والأسماء إلى تقييم الاختصاصات والموارد والنتائج التنموية، ومدى قدرة الجهات على التأثير في السياسات العمومية التي تهمها.
وبين منطق المركزية ومتطلبات اللامركزية، يبقى التحدي الحقيقي هو بناء علاقة مؤسساتية متوازنة تجعل من الجهات شريكاً فعلياً في التنمية وصناعة القرار، وتضمن أن تتحول المشاركة السياسية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين. فالسؤال الذي تطرحه التشكيلة الحكومية الجديدة لا يتعلق فقط بمن حضر ومن غاب، بل أيضاً بمدى قدرة النموذج المؤسساتي على ترجمة مبادئ الإنصاف المجالي وتكافؤ الفرص إلى ممارسة سياسية وتنموية يشعر بها المواطن في مختلف جهات المملكة.